السيد عبد الحسين شرف الدين ( اعداد منذر حكيم )

أجوبة مسائل موسى 87

موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين

الناس ، فأوقعها مخالفة لما تقتضيه الأمارات والدلائل ، وكان مآل الأمور فيها مناقضا لأوائلها . واللّه - عزّ وجلّ - هو العالم بمصيرها ومصير الأشياء كلّها ، وعلمه بهذا كلّه قديم أزلي ، لكن لمّا كان تقديره لمصير الأمور فيها يخالف تقديره لأوائلها ، كان تقدير المصير أمرا يشبه البداء ، فاستعار له بعض سلفنا الصالح هذا اللفظ مجازا ، وكأنّ الحكمة قد اقتضت يومئذ هذا التجوّز . وبهذا ردّ بعض أئمّتنا قول اليهود : إنّ اللّه قدّر في الأزل مقتضيات الأشياء ، وفرغ اللّه من كلّ عمل إذ جرت الأشياء على مقتضياته . قال عليه السلام : بأنّ للّه - عزّ وجلّ - في كلّ يوم قضاء مجدّدا بحسب مصالح العباد لم يكن ظاهرا لهم ، وما بدا للّه في شيء إلّا كان في علمه الأزليّ « 1 » . فالنزاع في هذه المسألة بيننا وبين أهل السنّة لفظي ؛ لأنّ ما ينكرونه من البداء الذي لا يجوز على اللّه عزّ وجلّ ، تبرّأ الشيعة منه وممّن يقول به براءتها من الشرك باللّه ومن المشركين . وما يقوله الشيعة من البداء بالمعنى الذي ذكرناه يقول به عامّة المسلمين ، وهو مذهب عمر بن الخطّاب وغيره كما سمعت ، وبه جاء التنزيل « يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ » « 2 » ، « يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ » « 3 » . أي كلّ وقت وحين يحدث أمورا ويجدّد أحوالا من إهلاك وإنجاء وحرمان وإعطاء وغير ذلك ، كما روي عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم « 4 » . وقد قيل له : ما ذلك الشأن ؟ فقال : « من شأنه - سبحانه وتعالى - أن يغفر ذنبا ، ويفرّج كربا ، ويرفع قوما ، ويضع آخرين » « 5 » .

--> ( 1 ) - . نسبه إلى « قيل » في مجمع البيان 202 : 10 ، ذيل الآية 29 من سورة الرحمن 55 . ( 2 ) - . الرعد 39 : 13 . ( 3 ) - . الرحمن 29 : 55 . ( 4 ) - . بحار الأنوار 65 : 83 ، كتاب الصلاة ، الباب 61 ، ذيل الحديث 3 . ( 5 ) - . الأمالي للطوسي : 521 - 522 ، المجلس 18 ، ح 1151 ؛ وعنه في بحار الأنوار 71 : 4 ، كتاب التوحيد ، أبواب الصفات ، الباب 1 ، ح 17 .